أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

164

العقد الفريد

وعلمت حتى لا أسائل واحدا * عن حرف واحدة لكي أزدادها قال : وكان من خبرهم ما ذا ؟ قلت : ذكرت الرواة أنّ جريرا لما أنشد عدي هذا البيت ، قال : بلى واللّه وعشر مئين « 1 » . قال عدي : وقر « 2 » في سمعك أثقل من الرصاص ، هذا واللّه يا أمير المؤمنين المديح المنتقى . قال الرشيد : واللّه إنه لنقيّ الرصاص ، هذا واللّه يا أمير المؤمنين المديح المنتقي . قال الرشيد : واللّه إنه لنقيّ الكلام في مدحه وتشبيبه . قال الفضل : يا أمير المؤمنين ، لا يحسن عدي أن يقول : شمس العداوة حتى يستقاد لهم * وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا قال الرشيد : بلى قد أحسن . ثم التفت إليّ فقال : ما حفظت له في هذا الشعر شيئا حين قال : أطفأت نيران الحروب وأوقدت * نار قدحت براحتيك زنادها « 3 » قلت : ذكرت الرواة أنه يا أمير المؤمنين حك يمينا بشمال مقتدحا بذلك ، ثم قال : الحمد للّه على هبة الإنعام . ثم قال الرشيد : رويت لذي الرّمّة شيئا ؟ قلت : الأكثر يا أمير المؤمنين . قال : واللّه لا أسألك سؤال امتحان ، ولا كان هذا عليك ، ولكنني أجعله سببا للمذاكرة ، فإن وقع عن عرفانك ، وإلا فلا ضيق عليك بذلك عندي ، فما ذا أراد بقوله : ممرّ أمرّت متنه أسديّة * يمانيّة حلّالة بالمصانع « 4 » قلت : وصف يا أمير المؤمنين حمارا وحشيّا أسمنه بقل روضة تشابكت فروعه ، ثم تواشجت عروقه ، من قطر سحابة كانت في نوء الأسد ، ثم في الذراع منه . قال : أصبت ، أفترى القوم علموا هذا من النجوم ، بنظرهم ، إذ هو شيء قلما يستخرج بغير أسباب للذين رويت لهم أصوله ، أو أدّتهم إليه الأوهام والظنون ؟ فاللّه أعلم بذلك .

--> ( 1 ) مئين : جمع مائة . ( 2 ) وقرت الأذن : ثقل سمعها . ( 3 ) الراحة : باطن اليد . ( 4 ) ممر : مدمج الخلق مفتول . وأمرت متنه : أدمجته . وأسدية : سحابة بنو الأسد .